جلال الدين السيوطي

20

معترك الاقران في اعجاز القرآن

ونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ ، وبديع النظم ، وحسن السياق ، والمبادى [ ه ب ] والمقاطع ، والمخالص ، والتلوين في الخطاب ، والإطناب والإيجاز ، وغير ذلك ؛ فاستنبطوا منه المعاني والبيان والبديع . ونظر فيه أرباب الإشارات وأصحاب الحقيقة فلاح لهم من ألفاظه معان ودقائق جعلوا لها أعلاما اصطلحوا عليها ، مثل الفناء والبقاء والحضور ، والخوف ، والهيبة ، والأنس والوحشة ، وانقبض والبسط ، وما أشبه ذلك - « 1 » هذه الفنون التي أخذتها الملة الإسلامية منه . وقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل ، مثل الطب ، والجدل ، والهيئة ، والهندسة ، والجبر ، والمقابلة ، والنجامة ، وغير ذلك . أما الطبّ فمداره على حفظ نظام الصحة واستحكام القوة ؛ وذلك إنما يكون باعتدال المزاج بتفاعل الكيفيات المتضادة . وقد جمع ذلك في آية واحدة ، وهي قوله « 2 » : « وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً » . وعرّفنا فيه بما يفيد نظام الصحة بعد اختلاله ، وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله في قوله « 3 » : « شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ » . ثم زاد على طب الأجساد طبّ القلوب وشفاء الصدور . وأما الهيئة ففي تضاعيف سوره من الآيات التي ذكر فيها ملكوت السماوات والأرض وما بثّ فيها في العالم العلوي والسفلى من المخلوقات . وأما الهندسة ففي قوله « 4 » : « انْطَلِقُوا إِلى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ . . . » الآية .

--> ( 1 ) هي كذلك في الأصول ، والاتقان . ( 2 ) الفرقان : 67 ( 3 ) النحل : 69 ( 4 ) المرسلات : 30